ابن الجوزي
27
كشف المشكل من حديث الصحيحين
وقال آخر : عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما ( 1 ) فإن قال قائل : إنما يقال إن شاء الله في الأمر المظنون ، وقد وقع اليقين بالموت ، فما وجه قوله : « وإنا إن شاء الله بكم لاحقون » . فالجواب : من أربعة أوجه : أحدهما : أن استثناءه وقع على البقاع ، لأنه لا يدري أين يموت ، في هذه البقعة أو في غيرها ، رواه إسحق بن إبراهيم بن هانئ عن أحمد بن حنبل . والثاني : أنه لما قيل له : * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) * [ الكهف : 23 ، 24 ] صارت هذه الكلمة هجيراه في المتيقن والمظنون ، وهذه الكلمة لما أهمل ذكرها سليمان عليه السلام في قوله : « لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما » ( 2 ) لم يحصل له مقصوده . وإذا أطلقت على لسان رجل من يأجوج ومأجوج فقال : غدا يحفر السد إن شاء الله نفعتهم . فقدر على الحفر ( 3 ) ، فإذا فات مقصود نبي بتركها ، وحصل مراد كافر بقولها ، فليعرف قدرها ، وكيف لا وهي تتضمن إظهار عجز البشرية وتسليم الأمر إلى قدرة الربوبية . والثالث : أن الاستثناء واقع على استصحاب الأيمان إلى الموت لا إلى نفس الموت ، فيكون ذلك صادرا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على جهة التعليم ، أو لأنه كان معه غيره ممن لا يدري مآله .
--> ( 1 ) البيت لعبدة بن الطبيب - « ديوان الحماسة » ( 1 / 387 ) ، وديوانه ( 87 ) . ( 2 ) البخاري ( 2819 ) ، ومسلم ( 1654 ) . ( 3 ) ينظر « الزاد » ( 6 / 194 ) ، والقرطبي ( 10 / 57 ) .